حديث مع زائر كريم

زارنا جماعة من أساتذة الأزهر وكنت ألقي درسا في الأديان موضوعه التلمود. فرجعت إلى أول الدرس ليكون الكلام مفهوما. فبدأت بذكر معنى تلمود لغة واصطلاحا، وبعد ذلك شرعت في ذكر بعض ما تضمنه التلمود فقال لي أحد الأساتذة الضيوف: حسبك. وبدا لي أن له كلمة يريد أن يقولها قبل الانصراف وكنت أظن أنه يريد أن يوجه نصيحة للطلبة لأني التمست منه ذلك من قبل، فإذا به يريد أن يستدرك علي شيئا، ظن أني أغفلته وكان ينبغي أن أذكره، وسأذكره هنا معنى ما قلته ثم أذكر استدراكه وجوابي عنه:

قلت إن كلمة تلموذ بالذال المعجمة في اللغة العبرانية مشتقة من المصدر (لاموذ) وهو مصدر الفعل الثلاثي المعروف عند علماء هذا الشأن باسم (قال) وذكرت بعض مشتقاته من الثلاثي اسم الفاعل (لومذ) أي متعلم (يلمذ) بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه ومعناه يتعلم والفعل الرباعي (لمذ) بكسر اللام والميم المشددة ومعناه عَلّم من التعليم ومضارعه (يلمّذْ) واسم الفاعل (مِلَمّذْ) فهو تفعول بزيادة التاء والواو ومعناه في اللغة التعليم وذكرت أن الذال المعجمة لا وجود لها في اللغة العبرانية أصالة وإنما توجد الدال المهملة ويعرض لها الاعجام إذا جاءت بعد حركة ممدودة أو غير ممدودة أو سكون ناقص. ثم قلت ومشتقاته مادة ل م د في اللغة العبرانية كثيرة، وأما في اللغة العربية التي هي أصلها على الصحيح وقيل هي أختها الكبرى والأصل ضائع فلم يُستعمل من هذه المادة إلا تلميذ وهذا شأن اللغات التي تكون فروعا لأصل واحد كالإيطالية والإسبانية مثلا وهما فرعان من فروع اللغة اللاتينية بعض الكلمات تهمل في إحداهما وتوجد في الأخرى وبعضها تقل فروعها ومشتقاتها في إحدى الأختين وتكثر في الأخرى. وأزيد هنا أن بعض المؤلفين من المحدثين استعملوا من هذه المادة فعلا فقالوا فلان تتلمذ لفلان ولا يوجد هذا في كتب اللغة. أما في الاصطلاح فمعناه كتاب فقه اليهود الذي استنبطه أحبارهم من التوراة ثم بينت أن الطائفتين الباقيتين إلى هذا الزمان من طوائف اليهود وهما الربانيون والقراؤون لا تتفقان على الإيمان بالتلمود, فالربانيون يؤمنون به ويحكمون به وأما القراؤون فإنهم ينكرونه ولا يؤمنون إلا بالتوراة ثم لا يؤمنون إلا بنسختهم الخاصة ويطعنون في نسخة الربانيين وأكثر اليهود في هذا الزمان ربانيون وهم الذين أنشؤوا الحركة الصهيونية. أما القراؤون فإنهم يسكنون في نابلس من الضفة الغربية لنهر الأردن وبينهم وبين الربانيين عداوة دينية. لذلك بقوا مع العرب إلى الحرب الأخيرة التي وقعت بين العرب واليهود فاستولى اليهود على مدينة نابلس والظاهر من أحوالهم أنهم مع ذلك محافظون على عقيدتهم. وحاصل ما استدركه علي فضيلة الأستاذ:

أنه قال: إنك ذكرت الفعل (لاَمذْ) ولم تذكر ضميرا قبله نحو (أني لاَمذْ) فقلت له أيها الأستاذ أنا أتكلم في معنى الفعل وتصريفه ولا أريد أن أنشئ جملة فوافق على ذلك. ولم أرد أن أذكر له أمام الطلبة والزائرين أن اللفظ الذي قاله فاسد. لأن قولها بالعبرانية (أنيِ لاَمَذْ) كقولنا (أنا تعلم) أو (أنا قام) والعربية والعبرانية كلتاهما تبدأ الجملة الفعلية فيهما بالفعل ولا يلزم أن نذكر اسما قبل الفعل لا ضميرا ولا ظاهرا. فنقول طلعت الشمس وظهر الحق، ولو ذكرنا ضمير (أنا) قبل الفعل الماضي لم يصح إسناد الفعل إليه بل تتصل به وجوبا تاء متكلم فنقول في العربية أنا تعلمت وفي العبرانية (أنيِ لاملذْتِ) بكسر التاء لأن تاء المتكلم في العبرانية مكسورة وإنما يتحتم ذكر اسم ظاهر أو ضمير في اللغة العبرانية قبل الفعل الحاضر وهو (لُومِذْ) بكسر الميم فنقول (أني لومذ) أي أنا متعلم أو أتعلم الآن. لأن الفعل المضارع المبدوء بحرف من حروف أنيت عندهم في الأزمنة المتأخرة يختص بالمستقبل.

ورب قائل يقول ما حاجتك إلى بيان معنى هذه الكلمة في لغتها الأصلية فإن لغة اليهود لا تستحق كل هذه العناية. فأقول على رسلك “إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود فقال عليه الصلاة والسلام لزيد: “تعلم السريانية فإنها تأتيني كتب من يهود ولا آمن يهود على كتابي”. قال زيد: فتعلمتها في نصف شهر”. رواه أحمد والبخاري في صحيحه تعليقا. ولما قرأت صحيح البخاري لأول مرة ورأيت هذا الحديث استشكلته لأن المعروف أن لغة اليهود هي العبرانية لا السريانية فكيف يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتعلم السريانية ليقرأ له كتب اليهود ويكتب الأجوبة. ولم أجد من يحل لي هذا الإشكال حتى شرعت أدرس تاريخ اللغات السامية في البلاد الجرمانية (ألمانيا) فانكشف لي أن اللغة العبرانية ماتت منذ تشتت اليهود وخروجهم من فلسطين بل ماتت قبل ذلك بمدة طويلة فإن بني إسرائيل في زمان عيسى عليه السلام كانوا يتكلمون باللغة السريانية في أمور دينهم ودنياهم ولم يبقَ عندهم من العبرانية إلا أدعية الصلوات، وباللغة السريانية ألّف التلمود ونزل الإنجيل. قال تعالى: في سورة إبراهيم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

والإشكال الثاني: كيف استطاع زيد أن يتعلم هذه اللغة في نصف شهر؟ والجواب عن هذا الإشكال حسبما يظهر لي أن زيدا لم يتعلم اللغة السريانية في نصف شهر وإنما تعلم كتابتها وقراءتها لأن هذه اللغات الثلاث: العربية والعبرانية والسريانية متقاربة جدا في جملها ومفرداتها حتى في هذا الزمان الذي ضعفت فيه اللغة العربية. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى التي طبعت أخيرا: “إن اللغة العبرانية قريبة جدا من اللغة العربية حتى إن بعض مسلمة أهل الكتاب كان يقرأ عليّ التوراة فأفهم ما يقرأه دون أن أحتاج إلى ترجمة”. فإذا كان هذا في شيخ الإسلام ابن تيمية فما بالك بزمان النبي صلى الله عليه وسلم؟ وإلى يومنا هذا لو أن شخصا تكلم باللغة العبرانية الفصحى القديمة وتمهل في كلامه لفهم أكثر ما يقول أو كثير منه ودونك جملة تسهل عليك فهم ما تقدم (إنيِ قُوري بسّفّرْ هَزِي) معناه أنا أقرأ في هذا الكتاب، جملة أخرى (أني لُومِذ هلْ لاشون ها عَرْبيت) معناه: أنا أتعلم اللسان العربي. فموسى أرسله الله إلى بني إسرائيل بلغتهم العبرانية وأنزل عليه التوراة بها. وعيسى أرسله الله إلى بني إسرائيل باللغة السريانية التي هي لسانهم في زمانه وأنزل عليه الإنجيل بها وهذا قول أكثر المؤرخين وهو صحيح.

وبهذه المناسبة أذكر أني قرأت في كتاب الأبريز المنسوب إلى الشيخ عبد العزيز الدباغ ومؤلفه هو أحمد بن المبارك السجلماسي وكلاهما من المغرب كلاما يتعلق باللغة السريانية أريد أن أتحف القراء بذكره بمناسبة ذكر اللغة السريانية وهو من المضحكات المبكيات كما قال الشاعر: أمور يضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب فمن ذلك أنه زعم أن شيخه عبد العزيز الدباغ أخبره بالأمور التالية:

1_ قال المؤلف المذكور في كتاب الإبريز صفحة 217: “وسمعته رضي الله عنه يقول من تأمل كلام الصبيان الصغار وجد السريانية كثيرا في كلامهم فكان آدم عليه السلام يحدث أولاده في الصغر ويسكتهم بها ويسمي لهم أنواع المآكل والمشارب بها فنشأوا عليها وعلموها أولادهم وهلم جرا” ثم مضى إلى أن قال “وقد سبق أن لغة الأرواح هي السريانية”. ثم قال: “ومن أسمائه تعالى لفظة أغ التي ينطق بها الصبي الرضيع وهو اسم يدل على الرفعة والعلو واللطف والحنان فهو بمنزلة من يقول يا علي يا رفيع يا حنان يا لطيف”، قال محمد تقي الدين: أقول في هذا سبحانك هذا بهتان عظيم وقد كنت نشرت في صحيفة الأخبار التي كانت تصدر في تطوان منذ سبع وعشرين سنة مقالا كذبت فيه ما ادعاه مؤلف كتاب الابريز من أن الحرف الواحد من السريانية يساوي كلمة من اللغات الأخرى كالعربية مثلا وذكرت أربعين كلمة من السريانية وقابلتها بالكلمات العربية فكانت إما مساوية للكلمات العربية في عدد الحروف أو تزيد عليها وبينت أن السريانية والعربية والعبرانية أخوات مشتركات في الضمائر وأغلب القواعد التي يعتمد عليها في تركيب الجمل وأن آلافا من الكلمات مشتركة بين اللغات الثلاث. فتحير في ذلك مقدم التيجانية أحمد الرهوني وأجاب من سأله وأحرجه بأن السريانية التي تتكلم بها الأرواح ويتكلم بها الأولياء في ديوانهم الذي يجتمعون فيه كل يوم قبل طلوع الفجر بغار حراء ليدبروا شئون العالم هي سريانية أخرى خاصة بالأولياء وليست هي السريانية المعروفة التي يتكلم بها السريانيون إلى يومنا هذا, والتي تكلم بها اليهود كما تقدم في أزمنتهم المتأخرة وهذا الجواب في غاية الوقاحة. فالسريانية شعب من الشعوب ولهم لغتهم، كما أن العرب شعب ولهم لغتهم والعبرانيون شعب من الشعوب ولهم لغتهم, فلما خنقته الحجة اخترع سريانية جديدة لم يذكرها أحد من الناس قبله. أما ما زعمه مؤلف كتاب الابريز أنه نقله عن شيخه من أن اسم الله بالسريانية أغ وأنه من بقايا لغة الروح يجري على لسان الصبيان الرضع فهو من أعظم الكذب والبهتان فإن اسم الله بالسريانية (الاها) هذا عند السريانيين الغربيين وعند السريانيين الشرقيين (ألاهو) . والسبب في ذلك أن جميع الأسماء عند السريانيين الغربيين تختم بألف مثل (بيتا) بيت, (ماي) ماء, (شمايا) سماء, (عليما) غلام. وهكذا.. أما السريانيون الشرقيون فإن الأسماء تختم عندهم بواو قبلها ضمة واسمه تعالى باللغة العبرانية (إلوهم) ولا تختلف الشعوب السامية فيما نعلم في اسم الله تعالى إلا فيما رأيت من تغيير الحركات ثم قال: ” وإذا أراد الصبي أن يتغوط أعلم أمه وقال ع ع وهو موضوع في السريانية لإخراج خبث ذات الصبي”, قال محمد تقي الدين: يا أسفا على العقول التي تصدق مثل هذا الهذيان ومن سوء الحظ أن كثيرا ممن يدعون أو يدعى لهم أنهم علماء في المغرب وفي مصر يصدقون هذا البهتان فنقول لهذا المخبول: إذا كانت السريانية بزعمك لغة الأرواح أي أرواح بني آدم كلهم وأن الصبيان الرضع لقرب عهدهم بعالم الأرواح بقيت على ألسنتهم هذه الكلمة السريانية فما بال صبيان العالم الرضع لا يتكلمون بها في أي شعب من الشعوب إلا في المغرب الأقصى فلعل صبيان المغاربة حفظوا ما نسيه جميع صبيان العالم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: “إن مما بقي من كلام النبوة الأولى (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) “. على أن حرف العين خاص بالشعوب السامية التي خرجت من جزيرة العرب ولا يوجد عند غيرهم, فالشعوب التي ليس في لغتها عين كالأوروبيين مثلا لا يستطيع الشخص الذي لم يسمع العين ولم يتدرب عليها مدة طويلة لا يستطيع أن ينطق بها أبدا إلاّ إذا خالط شعبا ساميا كالعرب والسريانيين والآشوريين والعبرانيين والقبط والبربر مدة طويلة وقد يخالطهم زمانا طويلا ولا يستطيع أن ينطق بها. والحق أن الكلمات المختصرة التي ينطق بها الصبيان في بعض البلدان إنما تلقنوها من أمهاتهم يضعنها لهم مختصرة ليسهل نطقهم بها في بعض البلدان فيسمون الخبز بابّ، والماء أمبوا، والتمر نينى أو نان, والطفل الصغير الذي هو مثلهم موم, وهنا في المدينة يقلبون الميم نونا فيقولون (نون) وقد جمع بعض المستشرقين لغة صبيان العرب من مثل ما تقدم فاجتمع عنده مائة وخمسون كلمة وهذا كما تقدم من تلقين الآباء والأمهات ولا علاقة له بالسريانية ولا بلغة الأرواح وذكر المؤلف كلمات أخرى من هذا القبيل لا نطيل بذكرها, ومن أراد الاطلاع عليها فلينظرها في الكتاب المذكور.

ثم قال مؤلف كتاب الابريز: “وسألته رضي الله عنه عن سؤال القبر هل يكون بالسريانية أم بغيرها وقد قال الحافظ السيوطي في منظومته:

ومن غريب ما ترى العينان … أن سؤال القبر بالسرياني

قال شارح هذه المنظومة نقلا عن كتاب للسيوطي سمّاه شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور. “وقع في فتاوى شيخ الإسلام علم الدين البلقيني إن الميت يجيب السؤال بالسريان”. قال الناظم: “ولم أقف له على سند”. قال محمد تقي الدين: عفا الله عن السيوطي كيف ينقل شيئا لا يعتقد صحته, ولم يجد له دليلا, وهو من أمور الغيب ثم لا يرده, بل يكتفي باستغرابه. وقوله: ومن غريب ما تقرؤه العينان من الآراء في الكتب قول البلقيني أن سؤال القبر بالسرياني يدل عليه قوله في البيت الذي يلي البيت السابق:

كذا يقول شيخنا البلقيني … ولم أره لغيره بعيني

فيه تكلف لأن العينين لا تريان سؤال القبر. ثم قال وقد سئل الحافظ ابن حجر عن ذلك فقال: “ظاهر الحديث أنه باللسان العربي ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل واحد بلسانه وهو متجه”. اهـ. فقال رضي الله عنه يعني شيخه عبد العزيز الدباغ. نعم سؤال القبر بالسريانية لأنها لغة الملائكة والأرواح ومن جملة الملائكة ملائكة السؤال وإنما يجيب الميت عن سؤالهما روحه وهي تتكلم بالسريانية كسائر الأرواح؛ لأن الروح إذا زال عنها حجاب الذات عادت إلى الميت حالتها الأولى. قال رضي الله عنه: والولي المفتوح عليه فتحا كبيرا يتكلم بها من غير تعلم أصلا لأن الحكم لروحه فما ظنك بالميت فلا صعوبة عليه في التكلم بها. فقلت يا سيدي نريد من الله ثم منكم أن تمنوا علينا بذكر كيفية السؤال وكيفية الجواب باللغة السريانية؟

فقال رضي الله عنه: أما السؤال فإن الملكين يقولان له بلفظ السريانية (مرازهو) وضبطه بفتح الميم وبها تشديد ضعيف وبفتح الراء المهملة وبعدها ألف وبعد الألف زاي مسكنة وبعد الزاي هاء مضمومة بعدها واو ساكنة سكونا ميتا. فله ذلك ومعنى هذه الحروف المسئول بها يعرف بأصل وضع الحروف في اللغة السريانية فأما الميم المفتوحة وهي الحرف الأول فإنها وضعت لتدل على المكونات كلها والمخلوقات بأسرها، وأما الحرف الثاني وهو الراء فإنه وضع للخيرات التي في تلك المكونات، وأما الزاي فإنها وضعت للشر الذي فيها. وأما الهاء التي بعدها صلة فإنها وضعت لتدل على الذات المقدسة الخالقة للعوالم كلها سبحانه لا إله إلا هو.

ثم قال وأما الجواب فإن الميت إذا كان مؤمنا فإنه يجيبهما بقوله مراد أزيرهو، وضبطه بفتح الميم وفيها تشديد ضعيف وبعدها راء مفتوحة بعدها ألف ساكنة بعد الألف دال ساكنة وبعد الدال همزة مفتوحة وبعد الهمزة زاي مكسورة بعدها ياء ساكنة سكونا ميتا وبعد الياء راء ساكنة وبعد الراء هاء موصولة بواو ساكنة سكونا ميتا.

ومعنى هذه الحروف: أن الحرف الأول أشير به كما سبق إلى المكونات كلها والمخلوقات بأسرها، وأشير بالحرف الثاني إلى نور محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جميع الأنوار التي تفرعت منه كأنوار الملائكة والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأنوار اللوح والقلم والبرزخ وكل ما فيه نور، وأشير بالحرف الثالث وهو الدال المسكنة إلى حقيقة جميع ما دخل تحت الحرف الذي قبله فكأنه يقول: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حق وسائر الأنبياء حق وسائر الملائكة حق لا شك في جميع ذلك وجميع ما دخل تحت الحرف السابق، وأشير بالحرف الرابع وهو الهمزة المفتوحة إلى مدلول ما بعدها فالهمزة المفتوحة في لغة السريانية من أدوات الإشارة كلفظة هذا أو هذه في العربية، والزاي التي بعدها وضعت لتدل على الشرك كما سبق فيدخل فيها جهنم وكل ما فيه ظلام وشر، وأشار بالراء المسكنة إلى حقيقة كل ما يدخل تحت الحرف الذي قبله وهي الزاي المكسورة المشبعة بالياء الساكنة، وأشير بالهاء الموصولة إلى الذات العلية من حيث أنها خالقة ومالكة ومتصرفة وقاهرة ومختارة فحاصل معنى الجواب أنه قيل جميع المكونات ونبينا الذي هو حق وسائر الأنبياء الذين هم حق وكافة الملائكة الذين هم حق وجميع الأنوار التي هي حق وعذاب جهنم الذي هو حق وكل الشر الذي هو حق هو سبحانه خالقها ومالكها ومتصرف فيها المختار فيها وحده لا معاند له ولا شريك ولا راد لحكمه. قال رضي الله عنه فإذا أجاب الميت بهذا الجواب الحق قال له الملكان عليهما الصلاة والسلام ناصر. وضبطه بفتح النون في أوله بعدها ألف وبعد الألف صاد مكسورة وبعد الصاد راء ساكنة ومعناه يُعلم مما وضعت له حروف في السريانية فالحرف الأول وهو نا بالنون المفتوحة بعدها ألف للنور الساكن في الذات المشتعل فيها والحرف الثاني وهو الصاد المكسورة وضعت لتدل على التراب، والراء الساكنة تدل على حقيقة المعنى السابق، فمعنى هذا الكلام حينئذ نور إيمانك الساكن في ذاتك الترابية. أي التي أصلها من التراب صحيح حق مطابق لا شك فيه فهو قريب من قوله في الحديث: “نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا”.

وسألته رضي الله عنه عن كلمات من القرآن اختلف العلماء فيها هل هي سريانية أم لا؟ فمنها أسفارا, قال الواسطي في الاشاد هي الكتب بالسريانية وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال هي الكتب بالقبطية قاله في الإتقان في علوم القرآن. فقال رضي الله عنه هي سريانية وهي الكتب كما قال الواسطي رحمه الله ومعنى الكلمة تلك محاسن الأشياء التي ليست طوق البشر لأن الهمزة المفتوحة إشارة لما يليها كما سبق. والسين المسكنة وضعت لمحاسن الأشياء. والفاء المفتوحة اسم لما ليس في طوق البشر، والراء المفتوحة إشارة أخرى إلى تلك المحاسن فكأنه يقول إن الكتب فيها هذه المحاسن التي لا تطاق والله أعلم.

قال محمد تقي الدين كلمة (سفر) بكسر السين وسكون الفاء من الكلمات المشتركة بين اللغات السامية التي نعرفها ففي السريانية (سفرا) سواء أكان نكرة أم معرفة لأن كل اسم في السريانية ينتهي بالألف وليس فيها أداة تعريف، وبالعبرانية إذا لم تضف هذه الكلمة تلفظ (سفر) بكسر السين والفاء, وهكذا الأسماء الثلاثية في اللغة العبرانية كثير منها يكون بكسر أوله وثانيه وإذا أضيف إليه ياء المتكلم تقول (سفري) بكسر فسكون كما في العربية. أما الجمع فيختلف ففي العربية وحدها لا في أختيها يجمع على أسفار, ومؤلف كتاب الابريز توهم أن السفر يجمع على أسفار في اللغة السريانية فاخترع لكل حرف معنى حسبما تقدم من زعمه أن كل حرف في السريانية له معان وهو باطل كما أشرت إليه سابقا، فحرف التهجي في السريانية كغيرها ليس له معنىً , ومن المعلوم أن أكثر الكلمات في اللغات السامية سواء أكانت فعلاً أم اسماً لا يقل عددها في الكلمة الواحدة عن ثلاثة أحرف, وما جاء ناقصا؛ كيَدٍ ودَمٍ فالحرف الثالث فيه مقدر يظهر في الجمع نحو (اغسلوا أيديكم) وسالت دماء الأعداء، فهمزة دماء منقلبة عن ياء والأصل دماي وعلماء اللغات السامية متفقون على هذا ولكن أحمد بن المبارك اللمطي ظن أن اللغة السريانية ماتت موتا تاما وانقرض أهلها ولم يبق أحد يعرفها على وجه الأرض فافترى ماشاء له الخيال أن يفتري. ولم يدر أن قرىً كثيرة في شمال العراق لا تزال تتكلم بالسريانية, وقرى أخرى هناك تتكلم بالآشورية التي أختها الشقيقة, وما أحسن ما قال الشاعر: في مثل هذا المفتري يحق إنشاده:

يا لك من قبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري … قد ذهب الصياد عنك فابشري

لا بدّ من أخذك يوما فاحذري

وقد رأيت في خزانة الكتب ببرلين مجلدين ضخمين يشتملان على أسماء الكتب السريانية المخطوطة الموجودة في هذه الدار وحدها فما بالك بخزائن الكتب التي توجد عند السريانيين في الشام والعراق وقد زرت مدرستهم في الموصل، والتدريس فيها باللغة السريانية وهي مؤسسة لتخريج القسيسين، ولما قال لي مدير المدرسة وهو قسيس: اسأل التلاميذ عمّا تريد. فقلت لا أريد أن أخجلهم. فقال: لا بل اسألهم. فأشرت إلى تلميذ عمره خمس عشرة سنة تقريبا يلبس لباس الرهبان كسائر التلاميذ وقلت له تستطيع أن تترجم أبياتا عربية بالسريانية فقال نعم. فقلت له ترجم الأبيات التالية:

تعلم فليس المرء يولد عالما … وليس أخ علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده … صغير إذا التفت عليه المحافل

وإن صغير القوم والعلم عنده … كبيرا إذا ردت إليه المسائل

فترجمها شعرا بالسريانية أحسن ترجمة.

ثم قال: ومنها (شهر) ذكر الجواليقي أن بعض أهل اللغة ذكر أنه سرياني فقال رضي الله عنه ليس بسرياني والشهر في لغة السريانيين اسم للماء, قلت ومن عرف تفسير حروفه لم يشك في ذلك، قال محمد تقي الدين وهذا أيضا افتراء, فإن الشهر موجود في السريانية بلفظ (سهرا) ومعناه الهلال والقمر. أما الماء الذي زعم أنه في السريانية شهر فقد كذب فالماء في السريانية ماي وجمعه مايي أي مياه، وأقتصر في الرد على هذا المفتري على هذا القدر. وهذا الرجل أحمد ابن المبارك اللمطي السجلماسي من كبار علماء وقته في مدينة فاس في القرن الثاني عشر للهجرة وقد حمله حب الشهرة أن اتّخذ رجلاً من آل البيت اسمه عبد العزيز الدباغ كان يعد من الصالحين وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب اتخذه شيخا ونسب إليه أجوبة كثيرة عن معاني الآيات والأحاديث لا يتسع المقام لذكرها وزعم أنه كان يقرأ اللوح المحفوظ ويجيب عن كل ما يُسأل عنه وهذا يدل على ذهاب العلم والعلماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس بعد أن أعطاهموه وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”. وإذا أردت أيها القارئ أن تزداد علما بما ينسب من كلمات القرآن إلى غير لغة العرب فعليك بقراءة مقالي المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية في الجزء الثالث من السنة الثالثة (محرم 91هـ) والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.