الوعيد على بيع القرآن بثمن قليل بخس

[إن الحمد لله] نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونبرأ من الحول والقوة إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، ونصَحَ لعباده، وعبَد الله حتى أتاه اليقين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد؛ أما بعد:

فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يمكن أن يتقربه الباطل، كله حق ونور، من تبعه نجا، ومن تركه هلك، من رفعه رفعه الله، ومن خفضه خفضه الله، من اتبعه سلك طريق السعادة وطريق الهدى، ومن خالفه سلك طريق الضلال.

كل أمة سَعِد أسلافها بالقرآن، وببيان النبي عليه الصلاة والسلام، فلن يَسْعَد أخلافها  إلا بالقرآن وبأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم؛ أفضل الطرق  في عبادة الله تعالى وفي الأخلاق وفي المعاملات وفي الأحكام الطريق التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها: شر أمور الدين المحدثات البدع التي ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحدثها الظالمون الجاهلون، كَأَنَّ الدين عندهم ناقص وأرادوا أن يكملوه، والمُكَمَّل لا يُكَمَّل، الكامل لا يُمكن أن يكَمَّل، والله تعالى يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3] فمن زاد في الدين زاد في شقائه وعذَّبه الله عذابا أليما، ومن نقص منه كذلك.

وهذه الخطبة في الوعيد، لكن بالقرآن، الوعيد على بيع القرآن بثمن قليل بخس، والدنيا كلها ثمن قليل كما قال الله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ).

قال تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًاِ) أي لا تأخذوا على آيات الله، على القرآن، ثمنا قليلا، أي من الدنيا، واطلبوا أجركم على قراءتكم وتعليمكم من الله تعالى.

وقال تعالى: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [التوبة: 9]. الذين باعوا كتاب الله، باعوا تعليمه أو تلاوته، فإنهم يصدون عن سبيل الله؛ لأنهم منعوا كلام الله إلا بأجرة، صَدٌّ عن سبيل الله تعالى، فما أقبح عملهم؛ (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وقال تعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) قل لهم يا محمد كل أجرة [طلبتها منكم خذوها أنتم]، إن أجري إلا على الله، أنا أجري ما آخذه إلا من الله تعالى.  والواجب على أمة محمد أن يسلكوا هذا السبيل، أن ينصروا كتاب الله وينشروه دون أن يطلبوا عليه ثمنا من الدنيا الفانية؛ قال تعالى: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ) [يس: 20- 21] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

أما الأحاديث؛ فالأول عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه مَرَّ على قاص يقرأ ثم يسأل، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس) رواه أحمد والترمذي.

معنى هذا الحديث:

عمران بن الحصين من خيار الصحابة ومن مشاهير الصحابة، مر على واعظ يقرأ القرآن ويطلب الناس من أموالهم، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، على مخالفة السنة وعلى معصية الرسول.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قرأ القرآن) كل من أعطاه الله القران لا يسأل به إلا الله، ولا يسأل غير الله أبدا، والله تعالى سيُغْنيه من فضله، فمن لم يَسْتغني بالقرن فلا أغناه الله، لأن القران فيه غنى عظيم لمن تأدب بآدابه وتخلق بالأخلاق المحمدية.

(فإنه سيجيء أقوم…) هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، يجيء قوم يقرءون القرآن ويسألون به الناس، بدل ما يطلبون الأجر من الله تعالى يسألون الناس من أموالهم أو من طعامهم وأولئك هم الخاسرون.

الحديث الثاني: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُهُ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا…) اقرأوا القرآن واطلبوا الأجر والثواب من الله تعالى، لأنه سيأتي قوم في آخر الزمان يقرؤونه ويطلبون أجرته من عند الناس.

والقرآن يقرأه ثلاثة نفر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَتَعَلَّمُهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ) يفتخر به، إما لجمال صوته، أو لحسن قراءته يفتخر به، فهذا من الخاسرين، (وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ) كذلك من الخاسرين، (وَرَجُلٌ يَقْرَؤُهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) فذلك الذي ينال الأجر والثواب عند الله تعالى فيقبل الله قراءته ويثيبه عليها ويرفع درجته.

قال عمر رضي الله عنه: (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ) من رفع القرآن رفعه الله تعالى، ومن وضع القرآن الله تعالى يحطه ويذله، انظروا الآن إلى سبعمائة مليون [يعيشون] الذلة والهوان والمسكنة، لأنهم ما رفعوا القرآن، خفضوه فخفضهم الله، وأذلوه فأذلهم الله.