الشيح عبد الله خياط يتحدث عن الدكتور تقي الدين الهلالي

المخبر الذي يكشف الأفذاذ من الرجال، ويترجم عن مواهبهم ومدى استعدادهم للإسهام في كل ما يعود على المجتمع بالخير، ويأخذ به قُدُمًا نحو الكمال والتمام، قوة الشخصية واتزانها وسلامة تصورها للأمور وتقديرها بحيث تكون مسيرتها في اتجاه بعيد عن النَّزَق ومهابط الأمور، فمن ذا الذي يرتقي إلى هذه الفضائل ويأخذ بزمام القافلة ليوصلها إلى المستوى الرفيع؟! قد يكونون كثيرين في الأمة فالخيِّرون لن تقفز منهم الأرض، غير أن من بينهم المغمور الذي لم يحط نفسه بهالةٍ من الدعاية يوجه بها الأنظار إليه، فهو في مجتمعه أشبه بكنز مجهول لا ينتفع به على الرغم من أنه جمع بين العلم وسعة الأفق واتساع أبعد المعرفة، وغير ذل من المحامد والفضائل. هذه مقدمة أعتقد أنها واقع بعض الناس ممن يعيش -كما يقال- على هامش الحياة خاصة في أعقاب الزمن عندما أصبح للمادة بريق خادع يصدر بعضهم عن وحيها فلا يعبأ إلا بمن له رصيد منها يصول في حدودها، ويجول ويندمج في إطار الماديين، ويأخذ في مناهجهم، أرأيت العالم النحرير والكاتب اللامع والمحاضر اللبق والخطيب المفوه كل أولئك وغيرهم من أرباب المواهب إذا لم يكون لديهم رصيد من المادة أضحوا مثلا لا للاقتداء بهم والسير على نهجهم والأخذ بمسيرتهم، بل ليحاطوا بسياج منيع يحول دون الانتفاع من مواهبهم لتتاح الفرصة لمن لم يدركوا سبقهم أن يقفزوا على ظهورهم، وأضرب المثل في هذا المقال بالعلماء الذين لا يشق لهم غبار، فالعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثو دينارا ولا درهما وإنما ورَّثوا العلم، وكل فرد في الأمة من حقه أن يأخذ بقسطه من هذا الميراث سواء كان توزيعه في مسجد أم جامعة أم مجمع في أية زاوية من الأرض، غير أنه مع الأسف أضحى المغمور من العلماء وكأنه في قوقعة، ولقد كتبت في عدد من المقالات تخت هذا العنوان شخصيات لها أثرها في نفسي، وكان من بينها من مُنِيَ بالجحود ونكران الجميل والإدبار عنه، وقطع الصلة به لا لشيء سوى أنه لا يحسن أن يلبس لك زمن لَبُوسًا، ولا يعمد إلى الاستحداء ومد اليد لغيره ليكون له رصيد من المادة مرموق، قناعةً برزقه وتجافيا على إذلال النفس وترفعا بمكانة علمه أن يهبط به عن المستوى الذي رفعه إليه كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [ المجادلة : 11 ] فهذه الرّفعة التي شرّف الله بها العلماء هي في الواقع أفضل من أي رصيد ماديّ مهما بلغ من فخامته وضخامته ونظر الناس إليه بعين الاعتبار.
ولعل بعض القراء يتساءل عن الباعث عن كتابة هذه المقدمة؟ والجواب أنها نفثة مصدور نظر الى بعض من لهم حق الصدارة بالعلم والمواهب وإذ به مهملا كما يقولون.
وعلى سبيل المثل أذكر من بين من مُنِي بالتجاهل فضيلة شيخنا الشيخ تقي الدين الهلالي. إنه عالم ضليع في علم الحديث بل وفي علوم الدين واللغة العربية، وهو من علماء المغرب.
قدم الى مكة للإسهام بقسط في إشاعة العلم والتوجيه، ولكنه كان من المغمورين؛ لأنه خطط لمسيرته بأن لا يخرج بها عن مسلك العلماء في الحفاظ على علمه من الهبوط به.
تتلمذت عليه في المسجد الحرم فقرأت عليه صحيح البخاري ومسلم وعديدًا من كتب السنة، فكان ممن لا يشك له غبار في ميدانه. ودرست عليه أيضا في علوم اللغة العربية كتاب مُلْحة الإعراب أول دراستي للغة، فكان يشرح المنظومة بيتا بيتا ثم يقرأ عليها بما لا يترك أمام الطالب غموضاً أو لبساً. كما درست عليه في المعهد الكثير من علوم الدين كلها في إطار السنة. ثم انتقل إلى المدينة المنورة ليقوم بواجبه فيها مدرساً في المسجد النبوي فنفع الله به في مجاله، وعندما افتتحت الجامعة الاسلامية عُيّن فيها مدرساً فكان فذاً في المدرسين ينظم الشعر ويتمثل بالكثير منه. كما كان يمد المجلات الإسلامية بكتاباته الهادية الهادفة دفاعاً عن الاسلام ودحضاً لمفتريات خصومه، وإيضاحاً للعقيدة السلفية.
كان حرّ الضمير، لا يقبل الضيم ولا يستنيم لمان ينال منه. له مؤلفات لا اذكر شيئًا منها الآن لبعد العهد وضعف الذاكرة. يمتاز بالشجاعة الأدبية التي كانت خُلُقًا له وسجية لا تنفك عنه، وحسبك بها منقبة. لا يتهيب لسلطان من يفرض عليه سلطانه حاصة في ما يجب من تقرير الحق.
انقطعت صلتي بفضيلته منذ أن ارتحل الى المدينة، غير أن شخصيته بمجموع ما حوته من الفضائل أثرت في نفسي، ولعلي أوفَّق للسير على دربه وإن غدوت مغمورا مثله.

المصدر: لمحات من الماضي مذكرات الشيخ عبد الله خياط، ص 332 – 334.